جيرار جهامي ، سميح دغيم
865
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
فيقولون : « سمعنا الجمال يصرخ بين الجبال ، « ومع صراخه تعالى وقع الحوافر ، وصفق الأجنحة ، وزئير الأسود » . وفي الليل يقول حارس المدينة : « الجمال ينهض مع الفجر من الشرق » . وعند الظهيرة يقول الكادحون وأبناء السبيل : « رأيناه يطلّ على الأرض من نوافذ المغيب » . وفي الشتاء يقول قاصدو الثلوج : يجيء مع الربيع قافزا على الجبال » . وفي حرّ الصيف يقول الحصّادون : « رأيناه يرقص مع أوراق الخريف ، ورأينا نديف الثلج في شعره » . هذا كلّه تقولونه عن الجمال ، لكنكم في الحقيقة لم تتحدّثوا عنه ، إنما عن حاجتكم التي لم تشبع ، فما الجمال حاجة بل نشوة . ولا هو فم ظامئ أو يد ممدودة ، بل قلب ملتهب ونفس مسحورة . ولا هو الصورة التي تتمنّون رؤيتها ، أو الأغنية التي تودّون سماعها ، بل هو صورة ترونها وعيونكم مطبقة ، وأغنية تسمعونها وآذانكم مغلقة . ولا هو عصارة في غصن مجروح ، أو جناح مشدود إلى مخلب ، بل جنّة دائمة الازدهار ، وسرب من الملائكة يرفرف أبدا . ( جبران ، النبي ، 86 ، 2 ) . - الإطار الحضاري بكل محتوياته متّصل بذوق الجمال ، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكوّن فيه أية حضارة ، فينبغي أن نلاحظه في أنفسنا ، كما ينبغي أن نتمثّل في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا ، مسحة الجمال التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي . يجب أن يثيرنا أقلّ نشاز في الأصوات وفي الروائح وفي الألوان ، كما يثيرنا منظر مسرحي سيّئ الأداء . إن الجمال هو وجه الوطن في العالم ، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ، ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه . ( ابن نبي ، مشكلة الثقافة ، 85 ، 7 ) . - إن الجمال ينبثق من النفس ، لينقلب جمالا طبيعيّا ، والفرق عظيم بين أن يكون في النفس ، وأن يكون من النفس . إن كونه في النفس ، يقطع كل صلة بالطبيعة ، فلا تعود المادة ذات رسالة ، في خلق الجمال . أما كونه من النفس ، فهو يعني أن الجمال اتجاه ، يبدأ في الباطن ، ويختم في الظاهر . والحقيقة ، أن الجمال الفني صناعة إلى حدّ بعيد ، أي أسلوب وتعبير . ( كمال الحاج ، فلسفيات ، 240 ، 1 ) . * في الفكر النقدي - الجمال ، في فلسفة الفارابي أو ابن سينا ، صفة للموجود . وجمال شيء هو أن يكون الشيء ذاك على ما يجب له أن يكون . والجمال هو للشيء وللموجود ؛ لما له ماهية في النفس ، ولما له ماهية خارج النفس . والجمال موضوع مرتبط بالكمال ، وبالواجب الوجود ، والعلّة الأولى ؛ وقضية ماورائية وماهوية ؛ إذ الجمال في الموجود هو في كمال الموجود . وإذا ، ففي الفلسفة العربية الإسلامية . . . يكون الجمال صفة الوجود والموجود ، ومتعلّقا بالكمال ، ومصدره واجب الوجود . . . وهذا يعني أن الجمال صفة نعرفها بالعقل ، وأن الجمال الحقيقي هو جمال اللّه وجمال المعقولات . بذلك لا تكون معرفة الجمال بواسطة تجربة ، أو